الدليل الكامل

علم المواريث في الإسلام، من الأساس

كل ما تحتاج إليه لتفهم كيف تُقسَّم التركة في الإسلام — الحقوق التي تُقدَّم على الإرث، والورثة الذين سمّاهم القرآن الكريم، والفروض التي يأخذونها، ومَن يحجب مَن، وما يقع حين لا تستقيم الأنصبة. كُتِب للمبتدئ النبيه، مع الأدلة والأمثلة المحلولة.

١. لماذا قُدِّر الميراث بالوحي

في معظم النظم القانونية، يقرِّر المرء مَن يأخذ ماله بعد موته، وتسدُّ الدولة الفراغ حين لا يترك وصيةً. وينطلق الإسلام من نقطة بداية مختلفة؛ فالقدر الأكبر من تركة المسلم يُقسَّم وفق فروضٍ مقدَّرة شرعها الله سبحانه — فلا يجوز للمالك أن يُعطيها كلَّها لولدٍ واحد، أو يحرم آخر، أو يؤثِر صديقًا على والدٍ. وثمة نافذةٌ محدودة للاختيار الشخصي (الوصية)، لكنها مقيَّدة بالثلث ولا تكون لمن يرث أصلًا.

هذا العلم، المسمَّى علم المواريث أو علم الفرائض (أي الأنصبة المقدَّرة شرعًا)، يحمي الضعفاء؛ فالبنات والأرامل والأمهات وصغار الأبناء مضمونٌ لهم نصيبٌ لا يمحوه هوى قريبٍ حزين. وقد حضَّ النبي ﷺ على تعلُّمه صراحةً:

«تعلَّموا الفرائض وعلِّموها، فإنها نصف العلم».— رواه ابن ماجه في سننه

وثلاث آياتٍ من سورة النساء (٤:١١ و٤:١٢ و٤:١٧٦) تحمل أكثر التفاصيل العددية، تُكمِّلها السنة وإجماع الصحابة. ومن هذه المصادر بنى العلماء نظامًا دقيقًا متماسكًا — هو الذي يشرحه هذا الدليل، والذي تطبِّقه حاسبتنا.

٢. الحقوق الأربعة المتعلِّقة بالتركة قبل الإرث

لا يُقسَّم درهمٌ واحد على الورثة حتى تُستوفى أربعة حقوق متعلِّقة بالتركة، على هذا الترتيب القاطع:

  1. مؤن التجهيز والدفن. الغسل والتكفين والدفن تُؤدَّى أولًا، من غير إسرافٍ ولا تقتير.
  2. الديون. تُسدَّد جميع الديون القائمة — ديون العباد (القروض، والأجور غير المدفوعة، والمهر المستحقّ)، وديون الله ذات الطابع المالي، كالزكاة غير المؤدَّاة أو حجِّ الفريضة الذي لم يُؤدَّ وقد رُصِد له المال.
  3. الوصية. ثم تُنفَّذ كل وصيةٍ صحيحة، في حدود الثلث ممّا بقي، ولمن لا يكون وارثًا من ورثة الفرائض.
  4. الميراث. ما تبقّى بعد ذلك — وهو صافي التركة — يُقسَّم على الورثة بالأحكام الآتية.

قاعدة الثلث

حدُّ الوصية مأخوذٌ من حديث سعد بن أبي وقّاص حين أراد أن يتصدَّق بأكثر ماله، فقصره النبي ﷺ على الثلث، وقال: «والثلثُ كثير»، و«إنك أن تَذَر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تَذَرهم عالةً يتكفَّفون الناس».

٣. مَن يرث: أصناف الورثة الثلاثة

كل وارثٍ محتمَل يندرج في واحدٍ من ثلاثة أصناف، ويعالجها النظام على هذا الترتيب:

  • أصحاب الفروض — أهل الأنصبة المقدَّرة. أقاربُ خصَّهم القرآن الكريم بكسرٍ معيَّن: الزوج، والأبوان، والأجداد، والبنات، وبعض الأخوات والإخوة. وهم يُعطَون أولًا.
  • العصبة — الورثة بالتعصيب. أقاربُ من جهة الذكور غالبًا، يأخذون ما بقي بعد الفروض: الأبناء، والأب، والإخوة، والأعمام وفروعهم. وإن انفرد العاصب أخذ المال كلَّه.
  • ذوو الأرحام — القرابة البعيدة. أقاربُ كأولاد البنت والأخوال، لا يرثون إلا حين لا يوجد أحدٌ من أصحاب الفروض (سوى الزوج) ولا من العصبة.

وقد يجتمع في الشخص الواحد أكثر من صفة — فالأب مثلًا قد يأخذ فرضًا مقدَّرًا قدره ١/٦ و الباقي تعصيبًا. ويُشترط لتوريث أيِّ أحدٍ ثلاثة شروط: تحقُّق موت المورِّث، وحياة الوارث حينئذٍ، وانتفاء المانع. والموانع هي: اختلاف الدين (فلا يرث الكافر المسلمَ ولا العكس)، والقتل (فمن تسبَّب في الموت ظلمًا حُرِم الميراث). أما الرقُّ، الذي كان مانعًا قديمًا، فلم يَعُد له وجود.

إعلان

٤. الفروض المقدَّرة الستة

يستعمل القرآن الكريم ستة كسورٍ لا غير، كلٌّ منها مرتبطٌ بورثةٍ بعينهم في أحوالٍ بعينها. وأهمُّ شرطٍ على الإطلاق هو وجود الفرع الوارث (ولدٌ أو ولد ابن)؛ فوجوده يُنقص أنصبة الزوج والأبوين، ويفتح للأب نصيبه.

الوارثالنصيبالشرط
الزوج1/2عند عدم وجود فرعٍ وارث
الزوج1/4مع وجود فرعٍ وارث
الزوجة (واحدةً أو أكثر، بالاشتراك)1/4عند عدم وجود فرعٍ وارث
الزوجة (واحدةً أو أكثر، بالاشتراك)1/8مع وجود فرعٍ وارث
الأم1/3عند عدم وجود فرعٍ وارث وأقلّ من اثنين من الإخوة
الأم1/6مع وجود فرعٍ وارث، أو اثنين فأكثر من الإخوة
الأب1/6مع وجود فرعٍ وارث ذكر (مع الباقي تعصيبًا إن كان الفرع إناثًا فقط)
البنت الواحدة1/2عند عدم وجود ابن
بنتان فأكثر2/3عند عدم وجود ابن (بالتساوي بينهنّ)
الجدّة (أو الجدّات)1/6عند عدم وجود أمّ (وجدّة الأب تشترط كذلك عدم الأب)
الأخ أو الأخت لأمّ، واحدًا1/6عند عدم وجود فرعٍ وارث ولا أبٍ ولا جدّ
اثنان فأكثر من الإخوة لأمّ1/3بالتساوي، يستوي فيه الذكر والأنثى
الأخوات الشقيقات أو لأب1/2 أو 2/3كحكم البنات، عند عدم وجود حاجب

وثمة أمران يستغربهما المبتدئ. الأول: أن بنت الابن قد تأخذ ١/٦ خاصّةً «تكملةً للثلثين» مع بنتٍ واحدة — فتبلغان معًا الـ ٢/٣ التي كانت لبنتين. والثاني: أن الإخوة لأمّ هم الموضع الوحيد الذي يرث فيه الذكر والأنثى بالتساوي؛ فلا تنطبق عليهم قاعدة «للذكر مثل حظ الأنثيين»، لأنهم يرثون من جهة الأمّ المحضة.

٥. العصبة (الورثة بالتعصيب)

بعد أداء الفروض، يصير الباقي لأقرب عاصب. والعصبات مرتَّبون بحسب القرب من الميّت، ولا يأخذ الباقي إلا أقربُ صنفٍ حاضر:

  1. الأبناء (ومعهم البنات بنسبة ٢:١)
  2. أبناء الابن (ومعهم بنات الابن)
  3. الأب
  4. الجدّ من جهة الأب
  5. الإخوة الأشقّاء (ومعهم الأخوات الشقيقات)
  6. الإخوة لأب (ومعهم أخواتهم)
  7. أبناء الإخوة، ثم الأعمام، ثم أبناؤهم — وهكذا نزولًا في خطّ الذكور

والقاعدة المشهورة «للذكر مثل حظ الأنثيين» (النساء ٤:١١) إنما تنطبق داخل صنف العصبة الواحد — فالابن يأخذ ضِعف البنت، والأخ الشقيق ضِعف الأخت الشقيقة. وليست تقريرًا مطلقًا بأن الرجال يأخذون الضِّعف دائمًا: فالأم والأب قد يأخذان الـ ١/٦ نفسه؛ والإخوة لأمّ، ذكورًا وإناثًا، يقتسمون بالتساوي؛ وفي صورٍ عديدة ترث البنت بينما لا يأخذ أخو الميّت شيئًا البتّة.

العصبة مع الغير — الأخوات يصِرن عصبة

حين ترث الأخت الشقيقة أو لأب مع بنتٍ أو بنت ابن، تكفُّ عن أخذ فرضٍ مقدَّر وتصير عصبةً، تأخذ ما بقي بعد نصيب البنت. ولهذا، في مسألة بنتٍ واحدة وأختٍ شقيقة، ينتهي الأمر بأن تأخذ كلٌّ منهما النصف.

٦. الحجب والإسقاط

الحجب هو أن يُنقص القريبُ نصيبَ مَن هو أبعد منه أو يُسقطه بالكلية. وهو نوعان. حجب النقصان يُنقص النصيب — فوجود الولد يُنزل الزوج من ١/٢ إلى ١/٤. وحجب الحرمان يُسقط الوارث بالكلية. وأهمُّ قواعد حجب الحرمان:

  • الابن يحجب: أولاد الابن، وجميع الإخوة والأخوات، و(مع الأب) ميراث الجدّ بالتعصيب.
  • الأب يحجب: الجدّ، وجميع الإخوة الأشقّاء ولأب.
  • الجدّ (عند عدم الأب) يحجب الإخوة لأمّ، و— على القول الأيسر الذي يأخذ به هذا الموقع — يحجب الأشقّاء ولأب أيضًا.
  • الأم تحجب جميع الجدّات.
  • الأخ الشقيق يحجب الإخوة لأب.
  • كلُّ فرعٍ وارث (ابن، بنت، ابن ابن، بنت ابن) يحجب الإخوة لأمّ.
  • البنتان فأكثر تحجبان بنات الابن — ما لم يوجد ابن ابنٍ يجعلهنّ عصبة.

ولهذا لا يكفي مجرَّد سرد الأقارب؛ فترتيب إخراج المحجوبين هو الذي يحدِّد النتيجة كلَّها. والحاسبة تتولّى ذلك تلقائيًّا.

٧. حين تفيض الأنصبة: العول

قد تبلغ الفروض المقدَّرة أحيانًا أكثر من التركة كلِّها. والمثال الكلاسيكي: زوجٌ (١/٢) مع أختين شقيقتين (٢/٣). والنصف مع الثلثين سبعةُ أسداس — فلا تكفي التركة لإعطاء الجميع نصيبهم كاملًا.

والحلُّ، الذي أقرَّه الصحابة في عهد عمر بن الخطاب، هو العول: يُنقص كلُّ وارثٍ بنسبةٍ واحدة برفع المقام المشترك ليساوي مجموع الأنصبة. فيصير النصف والثلثان ٣/٦ و٤/٦ على أصلٍ جديدٍ هو ٧ — فيأخذ الزوج ٣/٧ والأختان ٤/٧. ينقص الجميع بالنسبة نفسها، ولا يُخصُّ أحدٌ دون أحد. ومحرِّكنا يُجري هذا التعديل بدقّة ويُنبِّه إليه.

٨. حين تقصُر الأنصبة: الرد

وقد يقع العكس: تبلغ الفروض المقدَّرة أقلّ من التركة، ولا يوجد عاصبٌ يستوعب الفائض. فمثلًا، أمٌّ (١/٦) وبنتٌ واحدة (١/٢) لا تطلبان معًا إلا الثلثين، فيبقى ثلثٌ غير موزَّع.

وهنا تنطبق مسألة الرد: يُرَدُّ الفائض على أصحاب الفروض بنسبة أنصبتهم — باستثناءٍ واحد، هو الزوج، فلا يُرَدُّ عليه عند جمهور العلماء. فتقتسم الأم والبنت التركة كلَّها بنسبة ١:٣، فتأخذ الأم ١/٤ والبنت ٣/٤. وإن لم يكن ثَمَّ وارثٌ إلا الزوج، فالجمهور لا يردُّون الفائض عليه؛ بل يؤول إلى بيت المال.

٩. أمثلة محلولة

ثلاث مسائل قصيرة تُظهر الآلية وهي تعمل. ويمكنك إعادة كلٍّ منها في الحاسبة.

المثال أ — أسرة متوازنة

تُوفِّي المورِّث عن زوجة، وابنٍ واحد، وبنتٍ واحدة. تأخذ الزوجة ١/٨ (لوجود فرعٍ وارث). والباقي ٧/٨ للولدين تعصيبًا، يُقسَّم ٢:١: فللابن جزآن وللبنت جزء. فيأخذ الابن ٧/١٢، والبنت ٧/٢٤، والزوجة ٣/٢٤. وكلُّ شيءٍ مأخوذٌ بالحساب.

المثال ب — المسألة العُمَرِيّة

تُوفِّي المورِّث عن زوجٍ، وأبٍ، وأمٍّ فقط. يأخذ الزوج ١/٢. وتأخذ الأم ثلث الباقي بعد الزوج (وهو حكمٌ خاصٌّ بهذه الصورة بعينها)، وهو ١/٦ من التركة. والأب، تعصيبًا، يأخذ الباقي — أي ١/٣. ولاحظ أن الأب ينتهي بضِعف الأم، محافظًا على نسبة ٢:١ بينهما.

المثال ج — العول في العمل

تُوفِّي المورِّث عن زوجٍ، وبنتين، وأبٍ، وأمٍّ. والفروض المقدَّرة هي ١/٤ + ٢/٣ + ١/٦ + ١/٦ = خمسةَ عشرَ جزءًا من اثني عشر — وهو فيضٌ. وبعد العول، يرتفع الأصل المشترك من ١٢ إلى ١٥: فيأخذ الزوج ٣/١٥ (١/٥)، والبنتان ٨/١٥ بينهما، والأب والأم ٢/١٥ لكلٍّ منهما. وفي تركةٍ قدرها ٢٤٠٬٠٠٠ دولار، يكون ذلك ٤٨٬٠٠٠ دولار، و١٢٨٬٠٠٠ دولار، و٣٢٬٠٠٠ دولار لكلٍّ من الأبوين.

١٠. المسائل الخلافية وكلمة أخيرة

الإطار السابق محلُّ اتفاقٍ واسع. غير أن طائفةً من الصور فرَّقت العلماء منذ عصر الصحابة:

  • الجدّ مع الإخوة — هل يحجب الجدُّ الإخوةَ كما يحجبهم الأب، أم يقاسمهم؟ ذهب أبو حنيفة إلى أنه يحجبهم؛ وأجاز الجمهور أن يقاسموه. ويأخذ هذا الموقع بقول الحجب الأيسر وينبِّه على المسألة.
  • المُشترَّكة (الحِمارِيّة) — زوجٌ، وأمٌّ، وأخوان لأمّ، وإخوةٌ أشقّاء، حيث يكون الباقي صفرًا. أجاز قضاءُ عمر المتأخِّر أن يشارك الأشقّاءُ الإخوةَ لأمّ في ثلثهم؛ وأبقاهم غيرُه بلا شيء.
  • الأكدريّة — تركيبٌ بعينه من زوجٍ وجدٍّ وأختٍ يقتضي إعادة جمعٍ خاصّة للأنصبة.

ولا ينبغي لأيِّ حاسبةٍ أن تدَّعي أن هذه المسائل محسومة. وحيثما لامست حالتُك هذه المسائل، أخبرك Mawarith Pro بذلك ووجَّهك إلى عالمٍ مؤهَّل. وفي أيِّ تركةٍ حقيقية — بديونها، ووقائعها المتنازَع فيها، وتعقيدها الإنساني — تكون الكلمة الأخيرة لأهل العلم، لا لبرنامج. فاستعمل هذا الدليل والأداة للفهم والاستعداد؛ واستعمل العالِم للفصل والقضاء.

ضَعْه موضع التطبيق

أدخِل ورثتك ودَع الحاسبة تطبِّق كل قاعدةٍ في هذا الدليل — مع بيان وجه الحكم.

افتح الحاسبة
إعلان